ابن قيم الجوزية

69

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

في انقسام العبودية إلى عامة وخاصة العبودية نوعان : عامة ، وخاصة . فالعبودية العامة : عبودية أهل السماوات والأرض كلهم للّه ، برّهم وفاجرهم ، مؤمنهم وكافرهم . فهذه عبودية القهر والملك . قال تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [ مريم : 88 - 93 ] فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم . وقال تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [ الفرقان : 17 ] فسماهم عباده مع ضلالهم . لكن تسمية مقيدة بالإشارة . وأما المطلقة : فلم تجىء إلا لأهل النوع الثاني ، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه . وقال تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 46 ) [ الزّمر : 46 ] وقال : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [ غافر : 31 ] وقال : إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ [ غافر : 48 ] فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة . وأما النوع الثاني : فعبودية الطاعة والمحبة ، واتباع الأوامر . قال تعالى : يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 68 ) [ الزّخرف : 68 ] وقال : فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزّمر : 17 ، 18 ] وقال : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) [ الفرقان : 63 ] وقال تعالى عن إبليس : وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) [ الحجر : 39 ، 40 ] فقال تعالى عنهم : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] . فالخلق كلهم عبيد ربوبيته ، وأهل طاعته وولايته : هم عبيد إلهيته . ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء . وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية : فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه : إما منكّرا . كقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) [ مريم : 93 ] والثاني : معرفا باللام ، كقوله وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [ غافر : 31 ] ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ [ غافر : 48 ] . الثالث : مقيدا بالإشارة أو نحوها ، كقوله أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [ الفرقان : 17 ] . الرابع : أن يذكروا في عموم عباده . فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر كقوله أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [ الزّمر : 46 ] . الخامس : أن يذكروا موصوفين بفعلهم . كقوله قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ الزّمر : 53 ] . وقد يقال : إنما سماهم « عباده » إذ لم يقنطوا من رحمته ، وأنابوا إليه ، واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم ، فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة .